حتى لا يحدّد قضاءُ الاحتلال قدرَ الشيخ جراح

تاريخ الإضافة الإثنين 15 آذار 2021 - 5:02 م    عدد الزيارات 1413    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

ضمن سياسة التّهجير والتّشريد والاقتلاع التي كانت أحد الأسس التي قامت عليها دولة الاحتلال على أثر نكبة عام 1948، تعمل سلطات الاحتلال على تهجير عائلات الشيخ جراح من الحيّ الذي احتضن لاجئين فلسطينيين شرّدهم الصهاينة من أرضهم ومنازلهم إبّان النكبة ثمّ اتفقت وزارة التعمير الأردنية ووكالة الأونروا عام 1956 على مشروع لإسكانهم في الحيّ الواقع شمال القدس القديمة.

 

فقد رفضت محكمة الاحتلال مؤخرًا استئناف ثلاث عائلات من حيّ الشيخ جراح، ضدّ قرار محكمة الصلح بإخلائهم، وأمهلت المحكمة عائلات حماد وداوودي والدجاني حتى شهر آب/أغسطس 2021 لإخلاء منازلها، فيما كانت المحكمة المركزية أصدرت منتصف شهر شباط/فبراير الماضي قرارًا مشابهًا ضدّ أربع عائلات فلسطينية أخرى في الحيّ ذاته، وأكدت قرار الإخلاء الذي فرضت عليهم تنفيذه في مهلة أقصاها مطلع أيار/مايو المقبل.

 

ما يجري في الشيخ جراح ليس بالجديد، فقد كانت عين الصهاينة على الحيّ في معارك النكبة عام 1948، نظرًا إلى موقعه كبوابة يمكن أن تفتح الطريق أمامهم من أماكن تمركزهم غرب القدس المحتلّة إلى مستوطنة "الجامعة العبرية" ومن ثمّ توسيع السيطرة على الشطر الشرقي من المدينة. لكنّ الحي الذي صمد عام 1948 سقط في عام 1967، ليصير في مهداف مشاريع الاستيطان والتهويد، لا سيّما منذ عام 1972 عندما ادّعت وقفيتان استيطانيتان ملكية الأرض التي أقيمت عليها منازل الحي، وتمكّنت من تسجيل ادعاء ملكيتها الأرض في طابو الاحتلال. وقد تمكنت جمعيّات استيطانية من الاستيلاء على عدة منازل في الحي، ويكاد لا يخلو زقاق في الشيخ جراح من بؤرة استيطانية، في مشهد يحظى بدعم واضح من السلطات الرسمية للاحتلال التي تسعى لإفراغ الحيّ من أهله كجزء من سياستها القائمة على تغيير وجه القدس وإلغاء هويتها العربية والإسلامية، وتهجير أهلها، وتطويق القدس القديمة بحزام استيطاني يطمس وجهها وتاريخها.

 

معارك التهجير والصمود تشهدها الأجيال المتعاقبة في الشيخ جراح، فالشابة منى الكرد كبرت في الحيّ وهي ترى جدّتها وأباها يخوضان معارك مستمرّة ضد محاكم الاحتلال التي تنحاز من دون أيّ تردّد إلى ادعاءات المستوطنين. وعلى مدى هذه الأعوام، صمدت العائلة في المعارك القانونية التي خاضتها، وفي وجه محاولات الاحتلال إغراءها بالمال لتتخلّى عن منزلها. منى التي كبرت في جوّ من القلق والخوف من التهجير، وشهدت عناء السعي في محاكم الاحتلال، تعرف أنّ "سقوط" الحي لن يطوي صفحات التهجير بل سيشرع فصولاً أخرى منها في ظلّ تمسك الاحتلال بإفراغ القدس من أهلها وتهويد المدينة. وفي هذا السياق، قالت منى: "إن استولوا على منازلنا في الشيخ جراح، سيُواصلون الاستيلاء على البيوت في كافة الأحياء المقدسية، حتى لا يبقى أيّ بيت فلسطيني في القدس".

 

واللافت أنّه في الوقت ذاته الذي تؤسّس فيه سلطات الاحتلال لمأساة جديدة لعائلات كاملة في الشيخ جرّاح، لا تتورّع عن المصادقة على مشاريع تهويدية في الحيّ، فقد صادقت بلدية الاحتلال في القدس، في شباط/فبراير 2021، على إنشاء موقع تهويدي يتضمن نصبًا تذكاريًا لجنود كتيبة في لواء المظليين في جيش الاحتلال، "لتخليد ذكرى جنود كتيبة المظليين 71"، الذين قُتلوا خلال احتلال شرق القدس في عام 1967. وبموجب المشروع، سيتم تسييج المنطقة، وإنشاء بوابات، ومواقع مراقبة باتجاه "مواقع المعارك"، ومقاعد للجلوس، إضافة إلى بناء مدرج ومسرح.

 

ومع الخطر المحدق بعائلات الشيخ جراح، تنطلق مساء اليوم الإثنين 2021/3/15 حملة إلكترونية للتضامن مع العائلات الشيخ جراح المهددة بالإخلاء والطرد من منازلها، تحت وسم "أنقذوا حي الشيخ جراح"، بهدف تسليط الضوء على الكارثة التي ستلحق بالعائلات المهدّدة بالإخلاء، ولخلق رأي عام للضغط على الجانبين الأردني والفلسطيني لتوفير الوثائق المطلوبة لمنع قرار التّهجير.

 

في حيّ الشيخ جراح تتوارث العائلات الفلسطينيّة آلام النّكبة الأولى، وجراح التهجير من البيت والأرض من جهة، والإصرار على رفض مخطّطات الاحتلال تهجيرهم واقتلاعهم من أرضهم ومنازلهم من جهة أخرى. لكنّ المعركة في الحيّ ليست معركة العائلات المهدّدة بالإخلاء والتشريد وحسب، بل هي معركة كلّ حيّ من أحياء القدس، ومعركة كلّ مقدسي وفلسطيني، ومعركة كلّ حريص على القضيّة الفلسطينية والدّفاع عنها، والخسارة هنا ليست مسموحة لأنّها تجرّ خسائر لاحقة وتفتح فصولاً جديدة من فصول الطرد والتهجير.

 

إنّ الوعي بخطورة الحرب التي يشنّها الاحتلال على القدس والمقدسيين يحتّم الالتفات إلى خطورة ما يجري في الشيخ جرّاح وضرورة وقفه وإحباطه، ومنع المحاكم الإسرائيلية من رسم ما سيكون عليه مصير الحيّ وأهله. وهذا الأمر يفرض الالتفاف حول العائلات المهدّدة بالطرد والتي تشكّل خطّ الدفاع الأول عن الحيّ في وجه مخطّطات تهويده، وعدم تركها من دون دعم وإسناد في مواجهة الاحتلال والمستوطنين. ولا شكّ في أنّ المسؤولية كبيرة هنا على الجانبين الأردني والفلسطيني في ما خصّ وثائق إثبات ملكية العائلات للمنازل التي يسكنون فيها منذ عقود، ومن ثمّ واجب الالتفاف والتضامن من قبل سائر المقدسيّين والفلسطينيين عمومًا، وكلّ معنيّ بالدفاع عن القضية الفلسطينية، لتشكيل جبهة ضاغطة لا تسمح بتجاهلها أو بالتّخفيف من شأنها.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

بين الإسراء والهجرة.. تمام القداسة وشرارة الدولة

التالي

الحديقة التوراتية في جبل الزيتون.. اغتصاب الأرض بغطاء الدين

مقالات متعلّقة

براءة درزي

المؤسسات العاملة لفلسطين في مهداف الاحتلال

الأربعاء 17 تشرين الثاني 2021 - 8:50 م

قبل ستة أعوام، في 2015/11/17، قرر الاحتلال حظر الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي، وجاء القرار الذي اتخذه وزير جيش الاحتلال حينذاك، في إطار تصاعد ملحوظ في استهداف الأقصى ورواده والمرابطين والمرابطات، و… تتمة »

د.أسامة الأشقر

جراد "اليوسفيّة" المنتشِر

الخميس 28 تشرين الأول 2021 - 10:48 م

لم يدُر بخلد كافل المملكة الشامية المملوكية قانصوه اليحياوي الظاهري أن تربته التي أنشأها بظاهر باب الأسباط قبل نحو ستمائة عام ليُدفن فيها أموات المدينة المقدسة أن هذه المقبرة ستجرّفها أنياب الجرافات، … تتمة »