انتصارات القدس برمضان في الميزان

تاريخ الإضافة الأربعاء 12 أيار 2021 - 5:17 م    عدد الزيارات 382    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

منذ بداية شهر رمضان صعّد الاحتلال وتيرة اعتداءاته في القدس والمسجد الأقصى، إذ عمدت قواته إلى نصب حواجز حديدية في ساحة ومدرج باب العامود، تضاف إلى أبراج المراقبة التي أنشأها الاحتلال في سنوات سابقة بعد عمليات فدائية متعددة، وذلك بهدف منع المقدسيين من الجلوس والتّجمع في المكان حيث درجوا على إحياء أمسيات رمضانية فيه. وبالتوازي، اعتدى في ليلة رمضان الثانية على مآذن الأقصى ومنع بثّ الأذان لمنع وصول الصوت إلى ساحة البراق حيث كان مستوطنن يحتفلون بـ "ذكرى قتلى الجيش"، اندلعت مواجهات بين الشبان المقدسيين من جهة وقوات الاحتلال من جهة أخرى التي استعملت فيها قنابل صوت حارقة، وأخرى غازية سامة مُدمعة، ما أدّى إلى عشرات الإصابات بحالات اختناق وجروح بصفوف المقدسيين.

 

مساء الأحد 2021/4/25، كان المقدسيّون يستعدّون لحصاد ثمرة إصرارهم منذ بداية شهر رمضان على منع الاحتلال من فرض حواجزه وشروطه في باب العامود بعدما وضع في 4/13 حواجز حديدية في المنطقة ليمنع المقدسيين من التجمّع والجلوس في المكان. الاحتلال الذي لم يتمكّن من فرض إغلاق الأقصى هذا العام، حاول البحث عن عنوان آخر يلبسه عنوان الوقاية من انتشار كورونا ويسجّل به تغييرًا جديدًا في محيط الأقصى لا يقلّ خطورة عن إغلاق المسجد ذاته.

 

يوم الإثنين 2021/5/10، كانوا على موعد مع إفشال اقتحام 28 رمضان الذي كانت تحضّر له جماعات المعبد وتحشد له، وعلى الرغم من محاولة الاحتلال منذ صباح اليوم إخلاء المسجد وانتظار المستوطنين عند باب المغاربة بانتظار أن تسمح لهم الشرطة باقتحام الأقصى، ومحاولة عدد منهم القفز فوق البوابة وتجاوزها، لم يتمكن مستوطن من اقتحام المسجد، وفرضت إرادة المقدسيين على سلطات الاحتلال ألا تسمح حتى بمسار الاقتحامات المختصر مثلما فعلت في اقتحام الأقصى يوم عيد الأضحى في 2019/8/11.

 

أيضًا، كانت قضية الشيخ جراح تغلي مع اقتراب يوم 2021/5/2 الذي حدّدته محكمة الاحتلال للرد على الاستئناف المقدّم من أربع عائلات مقدسية يهددها الاحتلال بتهجيرها من منازلها في الحي لمصلحة مستوطنين. وقد اضطر الاحتلال إلى تأجيل الحكم النهائي في القضية الذي تقرّر يوم 2021/5/10، على خلفية التطورات في القدس والخوف من انفجار الأمور في وجهه.

 

كان باب العامود والمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح الميادين الأكثر غليانًا في القدس في شهر رمضان، وتمكّن فيها المقدسيون من إجبار الاحتلال على التراجع أو منعه من التّقدّم بما يمكّنه من دفع مشروعه التهويدي قدمًا وفرض نتائجه على المقدسيين، وإن كان تأجيل ملف حيّ الشيخ جراح لا يعني زوال الخطر بل مناورة من الاحتلال لكسب الوقت والعودة للانقضاض على العائلات بما تتيحه هوامش التحرّك إن وجد إمكانية لذلك.

 

وفي دلالات الانتصارات، يأتي أولاً ما هو مرتبط بإرادة الجماهير وقدرة الفعل الشعبي على إجبار الاحتلال على التراجع في مساحة يعمل منذ سنوات على ترسيخ وضع جديد فيها. وتعيد الإنجازات التي حقّقتها جماهير القدس على مدى شهر رمضان من هذا العام مشهد تراجع الاحتلال أمام الإرادة الشعبية في هبة باب الأسباط عام 2017 عندما تراجع عن البوابات الإلكترونية على أبواب الأقصى وهبة باب الرحمة عام 2019 عندما استعاد المقدسيون فتح مصلى باب الرحمة وصلّوا فيه بعدما فرض الاحتلال إغلاقه على مدى 16 عامًا، لتؤكّد أنّ الإرادة الشعبية لا تزال قادرة على قادرة على التصدي لسياسات الاحتلال.

 

كذلك، أكّدت الانتصارات التي صنعها شباب القدس بإرادتهم وثباتهم أنّ الاحتلال فشل في تدجين الوعي الشعبي في القدس، وأنّ المقدسيين لا يزالون حاضرين للدفاع عن أرضهم وحقّهم ومقدّساتهم. ويدلّ الانخراط الكبير للشبان في المواجهات على أنّ هذه الفئة، وهي من الأكثر استهدافًا في المجتمع المقدسي من قبل الاحتلال، ما زالت عصيّة على الاستسلام للاحتلال وسياساته.

 

وكان ما حقّقه المرابطون في الأقصى من إفشال لاقتحام 28 رمضان فائق الأهمّية في كسر جنوح الاحتلال وجماعات المعبد نحو تهويد المسجد والسيطرة عليه، وهذا ما تعكسه تعليقات الإسرائيليين على ما حصل يوم 28 رمضان الذي كانت جماعات المعبد تخطّط له ليكون يومًا تاريخيًا في تاريخ دولة الاحتلال. فقد كتب أرنـــون سيغال، أحد نشطاء جماعات المعبد، على صفحته على موقع فيسبوك تعليقًا على انتكاسة المــستوطنين اليوم وفشل اقتحام الأقصى: "ليس عيدًا، يوم صعب، حزين، كئيب ومهين. لقد فقدنا احترامنا الذاتي والوطني. لدولة إسـرائيل نُسخة يوم القدس 2021 لا يوجد قيم سوى الطموح للهدوء. حتى الهدوء غير موجود".

 

كذلك، اعترض الكاتب الإسرائيلي عاميت سيغال على قرار مفوض عام شرطة الاحتلال بسحب المستوطنين من الأقصى، قائلاً: إن "هذا يعني تنازل اليهود عن السيادة عليه، ويقنع الفلسطينيين بأننا مؤقتون في البلد، وأصبحنا هناك مثل الصّليبيين".

 

وبذلك، فإنّ منع الاقتحام جاء ليكسر جنون الهجمة التهويدية على المسجد التي تقودها جماعات المعبد وتتجاوب لها سلطات الاحتلال والتي كان المستوطنون يحتفون بتقدّمها وبالإنجازات التي حقّقوها في الفصح العبري في نيسان/أبريل الماضي.

 

على المستوى المرتبط بالتطبيع، أظهرت انتصارات رمضان في القدس أنّ التطبيع الذي ركبت موجته عدد من الدول العربية منذ أيلول/سبتمبر 2020، عزل هذه الدول ولم يسعف دولة الاحتلال أو يقدّم لها مخرجًا من ورطتها. علاوة على ذلك، فقد تأكّد عمق حضور القدس والمسجد الأقصى لدى الشعوب العربية والإسلامية، وهو ما يمكن إلى اليوم استشفافه من التفاعل مع عناوين المشهد في القدس الشهر الماضي، إن على الأرض في التظاهرات المساندة التي خرجت في الكويت والأردن ولبنان، وغيرها، وإن كانت إرادة الشعوب لا تزال مقيّدة في عدد من الدول نتيجة لسياسة أنظمتها.

 

علاوة على ذلك، أكّد المشهد في رمضان أنّ القدس فعلًا خط أحمر، وأنّ الفلسطينيين عينهم على المدينة المقدّسة، وأنّ أيّ انشغالات تتلاشى عندما يتمادى الاحتلال، فالداخل الفلسطيني المحتلّ كان حاضرًا بقوّة من باب العامود إلى الشيخ جراح والمسجد الأقصى فيما غزّة انتفضت نصرة للقدس والأقصى وأثبتت أنّها جاهزة في معركة الدفاع عن المدينة ومقدّساتها وتلبية لنداء القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

ماذا كسب الفلسطينيون في هبّتهم الأخيرة؟

التالي

الاستيطان في القدس: كيف استغلت «إسرائيل» أيام ترامب الأخيرة؟

مقالات متعلّقة

مازن الجعبري

"القدس الشرقية بين الاندماج وأعمال الشغب" ؟!

الأربعاء 2 حزيران 2021 - 10:51 م

 "القدس الشرقية بين الاندماج وأعمال الشغب"، لم تكن صدفة أو عبثية أثناء هبة القدس العظيمة أنّ تشير إحدى المواقع "الإسرائيلية" لهذا العنوان، وحتى نفهم مضمونة من المهم الإشارة إلى الصورة التي انتشرت لزيا… تتمة »

زياد ابحيص

تحت ضربات المـ.ـقاومـ.ـة وبعد إفشال اقتحام 28 رمضان: شرطة الاحتلال تبلغ جماعات الهيكل المتطرفة بقرار سياسي بإغلاق باب الاقتحامات حتى إشعارٍ آخر

الإثنين 17 أيار 2021 - 2:29 م

 فوجئت الأعداد القليلة من متطرفي جماعات الهيكل لاقتحام الأقصى صباح اليوم بالحاجز الداخلي لباب المغاربة مغلقاً أمامهم دون أي يافطة توضيحية من شرطة الاحتلال، لتبلغهم بعد ساعتين بأن المسجد الأقصى "مغلق ف… تتمة »