هل يتوقّف الفعل المقاوم في فلسطين؟

تاريخ الإضافة الإثنين 4 تشرين الأول 2021 - 4:13 م    عدد الزيارات 710    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

على مدى عقود، كانت المقاومة في فلسطين ردّ فعل أهل الأرض وأصحاب الحقّ ضدّ أيّ احتلال، والثابت في مقاومة الاحتلال في فلسطين هو أنّ المقاومة لم تتوقّف، حتى وإن تراجعت وتيرتها في بعض الأحيان لأسباب مختلفة ومتعدّدة. ولعلّ نظرة إلى الواقع الفلسطيني تظهر أنّ من بين العوامل والأسباب التي أثّرت في مسار العمل المقاوم الإرادة الفلسطينية السياسية التي كان لها دور كبير في انطلاق العمل المقاوم واستمراره، بل وفي إنهائه. وعلاوة على ذلك، فإنّ سياسات الاحتلال القائمة على القمع والاعتقال والرصد والمراقبة فرضت بعض التراجع في هذا المسار، وقد كان هذان العاملان حاضرين، إلى جانب عوامل أخرى، في انتفاضة الأقصى عام 2000 وفي انتفاضة القدس عام 2015.

 

وإذا ما نظرنا في العقدين الأخيرين، فقد اندلعت انتفاضة الأقصى، أو الانتفاضة الثانية، عام 2000، وكانت شرارتها المباشرة اقتحام شارون الأقصى. لكن وراء "أكمة" رفض الاعتداء على المسجد كان الرئيس ياسر عرفات يرغب في تحريك الشارع بعد فشل المفاوضات في كامب ديفيد، فكان العامل السياسي سببًا رئيسًا في اندلاعها، كما في إنهائها، إضافة إلى سياسات الاحتلال القائمة على القضاء على المقاومة. وقد استمرّت الانتفاضة على مدى 5 سنوات، وتوقفت في 2008/2/8 مع توقيع اتفاق للتهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في شرم الشيخ جمع كلاً من محمود عباس، المنتخب حديثًا خلفًا للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ورئيس حكومة الاحتلال أريئيل شارون.

 

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2015، انطلقت انتفاضة القدس على خلفية تصاعد الاعتداءات على الأقصى من منع المرابطات من دخول المسجد، إلى قرار الاحتلال حظر ما أسماه "تنظيمي المرابطين والمرابطات"، وعمليات القتل الميداني التي نفذها الاحتلال في القدس المحتلّة، بالإضافة إلى انسداد الأفق السياسي، وغير ذلك من الأسباب. وقد عمد الاحتلال إلى سلسلة من الإجراءات "الردعية والعقابية"، لا سيّما بحقّ المقدسيين، وعائلات منفّذي العمليات، فيما كانت السلطة الفلسطينية على الجهة المعاكسة للانتفاضة، تعمل على منع تمدّدها خشية من انفجار الشارع في الضفة الغربية، وما يعنيه ذلك من خطر عليها.

 

لكن على الرّغم من غياب الإرادة السياسية، بل حتّى في ظلّ إرادة سياسية ترى العمل المقاوم معارضًا لها وتعمل ضدّه، وعلى الرغم من كلّ التضييق الذي يمارسه الاحتلال على الفلسطينيين لمنع تحرّكهم ضدّه، فإنّ استمرار الاحتلال واعتداءاته يظلّ عاملاً أساسيًا لاستمرار المقاومة. فعمليات الدهس والطعن وإلقاء الحجارة والمولوتوف لم تتوقّف إلى اليوم، والاشتباكات في أنحاء الأراضي الفلسطينية مستمرّة يوميًا حتى وإن لم تخرج إلى الإعلام؛ وفي مقابل العمليات التي تنفّذ تكشف أجهزة الاحتلال عن إحباط عمليات في الضفة الغربية، بلغت قرابة 430 عملية في الضفة وشرق القدس في عام 2020 بحسب معطيات "الشاباك".

 

وشهدت أعوام 2017 و2019 و2021 محطات بارزة من المقاومة الشعبية، فكانت هبة باب الأسباط عام 2017 رفضًا للبوابات الإلكترونية على أبواب الأقصى التي ركّبها الاحتلال متذرعًا بالعملية التي نفذها الجبارين الثلاثة في 2017/7/14، وقد أجبرت جماهير القدس الاحتلال على التراجع عن الإجراءات التي حاول فرضها فأزال البوابات التي أرادها لتكون بابًا نحو فرض مزيد من التغيير في الوضع القائم في الأقصى وإحكام قبضته الأمنية على المسجد.

 

وفي عام 2019، تمكّن المقدسيون من فتح باب الرحمة في شباط/فبراير وأدّوا صلاة الجمعة فيه في 2019/2/22 لأول مرة منذ أغلقه الاحتلال عام 2003 عندما فرضت الشرطة إعلاق المصلى استنادًا إلى قرار مزعوم من محكمة الاحتلال يقضي بإغلاق المبنى بذريعة استعماله من قبل لجنة التراث التي صنّفها الاحتلال على أنّها إرهابيّة.

 

فيما شهد عام 2021، هبّة باب العمود التي منعت فيها جماهير القدس الاحتلال من فرض تغيير جديد في باب العمود وهو باب القدس القديمة الموصل إلى الأقصى، إضافة إلى منع اقتحام الأقصى في 28 رمضان الذي كانت تخطّط له جماعات المعبد للاحتقال باستكمال احتلال القدس وفق التقويم العبري. ويضاف إلى ذلك، معركة سيف القدس التي أطلقتها المقاومة من غزة في 2021/5/10، ردًا على العدوان المتصاعد على الأقصى ومحاولات تهجير المقدسيين من حيّ الشيخ جراح.

 

يرفض الفلسطينيون بقاء الاحتلال، وهذا ما تفسّره عمليات المقاومة المستمرّة، بكلّ أشكالها، وبصرف النظر عن وتيرتها. وبالمقابل، تستمر محاولات الاحتلال، ومن يستفيد منه، في القضاء على المقاومة، والوصول إلى بيئة فلسطينية مدجّنة تنبذها وترضى بالاحتلال. لكنّ المعطيات التاريخية تؤكّد أنّ الشعوب ترفض الاحتلال، وأنّ المقاومة مسيرة مستمرّة، حتى وإن كان دونها أثمان، إذ يبقى ثمن العيش تحت الاحتلال أعلى من ثمن العمل للخلاص منه؛ وقد عجز الاحتلال على مدى التاريخ عن إنهاء المقاومة في حين كان العكس هو الصحيح.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

التأسيس المعنوي للمعبد اليهودي بالمسجد الأقصى

التالي

لماذا تُبدل "إسرائيل" أسماء الشوارع في فلسطين؟

مقالات متعلّقة

براءة درزي

المؤسسات العاملة لفلسطين في مهداف الاحتلال

الأربعاء 17 تشرين الثاني 2021 - 8:50 م

قبل ستة أعوام، في 2015/11/17، قرر الاحتلال حظر الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي، وجاء القرار الذي اتخذه وزير جيش الاحتلال حينذاك، في إطار تصاعد ملحوظ في استهداف الأقصى ورواده والمرابطين والمرابطات، و… تتمة »

د.أسامة الأشقر

جراد "اليوسفيّة" المنتشِر

الخميس 28 تشرين الأول 2021 - 10:48 م

لم يدُر بخلد كافل المملكة الشامية المملوكية قانصوه اليحياوي الظاهري أن تربته التي أنشأها بظاهر باب الأسباط قبل نحو ستمائة عام ليُدفن فيها أموات المدينة المقدسة أن هذه المقبرة ستجرّفها أنياب الجرافات، … تتمة »