مسيرة الأعلام.. التاريخ والدوافع

تاريخ الإضافة الخميس 9 حزيران 2022 - 12:27 م    عدد الزيارات 516    التعليقات 0     القسم مقالات

        


أشرف بدر

باحث فلسطيني وأسير محرر

تهدف هذه المقالة للتعرف على كيفية بدأ ما يعرف بمسيرة الأعلام، والتطورات التي طرأت عليها عبر السنين. تنطلق في كل سنة مسيرة يحمل فيها المشاركون الأعلام الإسرائيلية في ذكرى احتلال القدس، أو ما يعرف صهيونياً ب "توحيد القدس تحت السيادة الإسرائيلية". أقيمت المسيرة لأول مرة سنة 1968 بمبادرة من حاخام "مركاز هاراب" تسفي كوك، وهو أحد المنظرين لتيار الصهيونية الدينية وابن الحاخام أبراهام كوك صاحب "فتوى" دمج التيار الديني الحريدي بالحركة الصهيونية، بعدما كان التوجه السائد لدى المتدينيين اليهود بعدم الانخراط في أعمال الحركة الصهيونية، كونها حركة يقودها العلمانيون.

 

كما أسلفنا انطلقت المسيرة سنة 1968، يتخللها الرقص وإطلاق الأغاني ورفع الأعلام، عبر خط سير يبدأ من شارع "يافا" بالقدس الغربية، باتجاه حائط البراق "المبكى"، وذلك ليلاً بعد انتهاء تجمع العطلة في "يشيفات مركاز هاراب". بادر يهودا حزاني طالب "مركاز هاراب" سنة 1974 بتوسيع دائرة المشاركة في المسيرة، لتشمل أفراد من خارج "مركاز هاراب"، وذلك بواسطة إحضار أوركسترا وإشراك طلاب المدارس الثانوية في هذا الحدث، الذي أصبح ينطلق نهاراً (بعد العصر) بدلاً من الليل، من أجل توسيع دائرة المشاركة.

 

توسعت دائرة المشاركين بالمسيرة بعد توقيع اتفاق أوسلو، إذ اقتصرت المشاركة في العقود الأولى من عمرها على منتسبي الصهيونية الدينية، لكن وبعد توقيع اتفاق أوسلو توسعت دائرة المشاركة فيها لتشمل عدة شرائح من المجتمع الصهيوني، وفي مقدمتهم اليمين الإسرائيلي "العلماني". فقد زاد اتفاق أوسلو من مخاوف اليمين الصهيوني والتيار الديني من تخلي القائمين على الاتفاق (حزب العمل) عن أجزاء من القدس المحتلة لصالح السلطة الفلسطينية، كما حدث في مناطق "أ" بالضفة الغربية وقطاع غزة.

 

تدريجياً؛ وبفعل التعبئة السياسية من  اليمين الإسرائيلي بشقيه العلماني والمتدين، تحولت مسيرة الأعلام من مسيرة احتفالية لفئة ضيقة من الحركة الصهيونية (التيار الديني)، إلى حدث سنوي معبر عن ما يشبه الإجماع الإسرائيلي بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس، ورفض التخلي عن أي جزء منها. ولتأخذ المسيرة الطابع الرسمي من خلال دعم مؤسسات الدولة لها، إذ يتم تمويل المسيرة من قبل بلدية القدس ووزارة التربية والتعليم، عدا عن الجمعيات والمنظمات الصهيونية "الأهلية".   

 

توسع عدد ونوعية المشاركين بالمسيرة وكذلك مسارها وأماكن إنطلاقها، فبعدما كانت مقتصرة  على "الرجال المتدينين" أصبحت تضم النساء والأطفال، ليبلغ عدد المشاركين ذروته في سنة 2010 والذي قدر بحوالي 100 ألف مشارك، وتطور الأمر في السنوات الأخيرة إلى إقامة مسيرة نسائية منفصلة. أمّا المسار فقد تم تسخيره لتعزيز ما يعرف "بالسيادة الإسرائيلية على القدس"، ففي سنة 2011 تم تغيير خط سير المسيرة لتمر من حي الشيخ جراح، ومؤخراً أصبح المرور من باب العامود (الذي يمثل رمز من رموز الصراع على الحيز العام في القدس) حدثاً أساسياً في المسيرة. وفيما يتعلق بمكان إقامة المسيرة، فأصبح غير مقتصر على القدس، وإنما امتد ليشمل إقامة عدة مسيرات في عدة مدن، كـ"اللد" على سبيل المثال، وذلك للتأكيد على يهودية الدولة في مقابل الأقلية العربية، والسيادة الكاملة على القدس.

 

اعتبرت المسيرة في هذه السنة (2022) بمثابة تحدي واختبار لرئيس الحكومة نفتالي بينت، إذ جاءت على خلفية الصور العديدة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي لرفع العلم الفلسطيني في داخل ساحات المسجد الأقصى، في خضم المظاهرات الاحتجاجية على اقتحام الحرم القدسي من المستوطنين، مما أثار من حفيظة المتطرفين الإسرائيليين الذين اعتبروا هذه الصور بمثابة خدش للسيادة الإسرائيلية في القدس، وأعطتهم دافعاً إضافياً، وخصوصاً بعد المرارة والشعور بالهزيمة عقب إلغاء المسيرة في سنة 2021، بسبب صواريخ المقاومة. هذه العوامل وغيرها دفعت بينت للإصرار على إنفاذ المسيرة وعدم تغيير خط مسيرها، حتى يؤكد على تمسكه بمبادئ اليمين الصهيوني الديني، وعدم رضوخه لتهديدات المقاومة، وذلك بهدف المحافظة على رصيده الانتخابي. 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

وقفات مع معركة القدس

التالي

الساحة الجنوبية الغربية للأقصى تحت مجهر التهويد

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

من رحم الذاكرة إلى أتون الحريق

الخميس 25 آب 2022 - 1:58 م

 تظل الذاكرة تحتزن في طياتها أحداثًا وتواريخ وشخصيات، وهي بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الشخصية، فالأولى تعود إلى أحداث ترتبط بالفضاء العام، أما الثانية فهي ربط الأحداث العامة بمجريات خاصة، وتحولات فرد… تتمة »

براءة درزي

الأقصى بعد 53 عامًا على محاولة إحراقه

الأحد 21 آب 2022 - 2:08 م

ثقيلة هي وطأة الاحتلال على الأقصى، فالمشهد مكتظّ بتفاصيل كثيرة وخطيرة من الممارسات التي تندرج تحت عنوان تهويد المسجد وإحكام السيطرة عليه، وهو مشهد يشكّل المستوطنون فيه واجهة تستفيد منها وتدعمها الجهات… تتمة »