القدس والانتخابات الأمريكيّة.. عود على بدء!

تاريخ الإضافة الإثنين 2 تشرين الثاني 2020 - 6:56 م    عدد الزيارات 881    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

شكلت القدس على مدى سنوات مادة ترويجيّة في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فكان المرشّحون، الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء، يقدّمون الموقف منها قربانًا لاستقطاب الناخبين وإقناعهم بالتصويت لهم، وتكرّس ذلك على وجه خاص بعد موافقة الكونغرس عام 1995 على قانون نقل السفارة الأمريكية لدى الاحتلال إلى القدس المحتلّة المستند إلى أنّ كل دولة لها حق تحديد عاصمتها، وأنّ "إسرائيل" اختارت القدس عاصمة لها، ما يعني أنّها يجب أن تكون مقرّ السفارة الأمريكية لدى الاحتلال.   وعلى الرغم من أنّ المرشّحين كرروا في حملاتهم الانتخابية التأكيد أنّ "القدس عاصمة إسرائيل"، إلاّ أنّ كلاً من الرؤساء بيل كلنتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما لم يقدموا على نقل السفارة بل استخدموا الحقّ الممنوح لهم في القانون الصادر عن الكونغرس بتأجيل النقل على خلفية المصلحة القومية للولايات المتحدة.  

 


ثم جاء دونالد ترامب لـ "يقدم على تنفيذ ما لم يجرؤ" من قبله من الرؤساء على تنفيذه، فنفّذ قرار نقل السفارة إلى القدس في 2018/5/14، وبعد سلسلة من القرارات التي لا يمكن إلا أن توصف على أنّها جرائم أمريكية بحق القدس والقضية الفلسطينية عمومًا، لا تزال إدارة ترامب متمسّكة بإخراج المزيد من القرارات عشية الانتخابات، ربمّا قد تسعف ترامب في الحصول على أصوات الناخبين اليهود والإيفانجيليين. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في 2020/10/29 أن المواطنين الأمريكيّين الذين ولدوا في القدس يمكنهم تسجيل "إسرائيل" في مكان الولادة في جواز سفرهم. 

 


وفي ما يمكن تفسيره بمحاولة لتذكير الناخبين بـ "الخدمات" التي قدّمها ترامب لدولة الاحتلال وداعميها في الولايات المتحدة منذ بداية ولايته، قال بومبيو إنّ الخطوة متوافقة مع اعتراف ترامب عام 2017 بالقدس عاصمة لـ "إسرائيل" نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة. وفي لازمة كررها المسؤولون الأمريكيون مع كل "جريمة" متعلقة بالقدس، أعلن بومبيو أنّ واشنطن مستمرّة في موقفها حيال حدود السيادة الإسرائيلية في القدس فهذا أمر يبقى مرتبطًا بمفاوضات الحل النهائي بين الجانبين، وأن الولايات المتحدة متمسكة بتسهيل التوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد مضيفًا أنّ خطة ترامب للسلام توفر طريقًا ممكنًا إلى ذلك السلام، مشجعًا الفلسطينيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.   

 


وجاء قرار الإدارة الحالية على الرغم من أنّ المحكمة العليا الأمريكية ألغت في 2015/6/8 القانون الصادر عن الكونغرس عام 2002، بما يتيح للمواطنين الأمريكيين المولودين في القدس تسجيل "إسرائيل" في خانة مكان الولادة، مستندة في ذلك إلى أنّ القانون ينتهك سلطة الرئيس في تحديد السياسة الخارجية. وكان الرئيس الأمريكي أوباما قال إنّ إقرار القانون سيؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه في قدرة أمريكا على التأثير في عملية السلام في المنطقة. وجاء في نص للقاضي أنطوني كينيدي أنّ الكونغرس الذي سنّ القانون له دور في السياسة الخارجية، لكن لا يمكنه اتخاذ قرارات بشأن الاعتراف بحكومات خارجية، وأنّ هذه الصلاحية حصرية للرئيس.  

 


هذا "الإنجاز" الجديد لإدارة ترمب كان سبقه إعلان السفير الأمريكي لدى الاحتلال ديفيد فريدمان في 2020/10/28 أنه ما من عائق يمنع البناء في المستوطنات، وذلك بعد توقيع اتفاق بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة ينهي الحظر الأمريكي على تمويل مشروعات إسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1967، وشملت الاتفاقية توسيع التعاون العلمي بين الجانبين ليشمل مستوطنات الضفة والقدس والجولان. وجرى توقيع الاتفاق في مستوطنة "أرئيل"، شمال الضفة المحتلة، التي أقامها الاحتلال على أراضٍ فلسطينية استولى عليها لتقطيع الضفة وعزل الفلسطينيين عن بعضهم. ولعلّ رمزية توقيع الاتفاق في هذه المستوطنة تشير إلى تحدّي كل من يقاطع الاستيطان، إذ أقام الاحتلال فيها جامعة ترفض جهات علمية وأكاديمية التعامل معها نظرًا إلى أنّها مقامة في الأراضي المحتلة عام 1967.   

 


وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل هذه الارتكابات عن الدعم الأمريكي لاتفاقيات التطبيع العربية مع دولة الاحتلال، وما تعنيه من إصرار أمريكي على جرّ المستوى الرسمي العربي إلى المصادقة على مضمون صفقة القرن الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وسحب اعتراف عربي بالسيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة. 

 


وإذا كانت هذه حال الموقف العربي الرسمي المتهافت على التطبيع وما يعنيه من تضييع للقضية الفلسطينية بما فيها القدس، فإنّ الموقف الأمريكي لا يعود مستغربًا، لكنه حتمًا ليس قدرًا محتومًا، فالمحاولات التي تجري هي لفرض هذه التغييرات أمرًا واقعًا وترسيخ قناعة لدى الفلسطينيين أولاً والشعوب العربية ثانيًا والمستوى الدولي ثالثًا، أنّ هذا الطريق هو الحلّ الوحيد الذي على الجميع القبول به والرضوخ له، ومن هنا تأتي دعوة الفلسطينيين المستمرة للعودة إلى طاولة المفاوضات لإجبارهم على المصادقة على ما توصّلت إليه "عبقرية" إدارة ترامب، لتكون موافقتهم هي الخطوة الأولى إلى إنهاء قضيّتهم. وحتّى لو فشل ترامب في الانتخابات فإنّ ذلك لا يعني أنّ القدس ستكون في أيدٍ أمينة، بل لعلّ التنبّه إلى خطر الدبلوماسية الناعمة والخطاب المتعقّل الذي قد يقدّمه جون بايدن سيكون أكثر ضرورة وإلحاحًا. 

 

مقالات متعلّقة

براءة درزي

الأقصى من الإحراق إلى التهويد

السبت 21 آب 2021 - 3:38 م

في مثل هذا اليوم قبل 52 عامًا، أقدم المتطرف الأسترالي الصهيوني دينس مايكل روهان على إضرام النار في المصلى القبلي بالمسجد الأقصى، ما تسبب بإحراق مساحة كبيرة من المسجد، بما في ذلك منبر صلاح الدين، وقد ا… تتمة »

مازن الجعبري

"القدس الشرقية بين الاندماج وأعمال الشغب" ؟!

الأربعاء 2 حزيران 2021 - 10:51 م

 "القدس الشرقية بين الاندماج وأعمال الشغب"، لم تكن صدفة أو عبثية أثناء هبة القدس العظيمة أنّ تشير إحدى المواقع "الإسرائيلية" لهذا العنوان، وحتى نفهم مضمونة من المهم الإشارة إلى الصورة التي انتشرت لزيا… تتمة »