بين قرار التقسيم ويوم التّضامن العالمي: أين أصبح الحقّ الفلسطيني؟

تاريخ الإضافة الأحد 29 تشرين الثاني 2020 - 8:01 م    عدد الزيارات 1117    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

في مثل هذا اليوم من عام 1947، صدر عن الأمم المتحدة القرار 181 بموافقة 33 دولة من الدول الـ57 التي اجتمعت في ذلك الحين لتصادق على ما بات معروفًا بقرار التقسيم، وهو القرار الذي نصّ على تقسيم فلسطين ثلاثة أقسام بحيث يمنح اليهود 56,5% من مساحتها، تشتمل على أهمّ الأراضي فيها، فيما تخضع كلّ من القدس وبيت لحم لرقابة دولية، والباقي للفلسطينيين.

 

هلّل اليهود لقرار التقسيم الذي فتح الأفق أمامهم لتحقيق حلمهم بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، وللتوسع والسيطرة فمشوار احتلال كل فلسطين يبدأ بخطوة، وأولى خطواتهم كانت جرائم الطرد والقتل والتهجير بحقّ الفلسطينيين أهل الأرض ليحلّوا محلّهم.

 

أما العرب فهالهم القرار، ورفضوه بالإجماع، وأصدروا مذكّرات "شديدة اللهجة" تعبّر عن رفضه، وقرروا تخصيص مبلغ مليون جنيه لدعم فلسطين، وشكّلوا جيش الإنقاذ وقوامه 10 آلاف جندي لمحاربة العصابات الصهيونية المدرّبة والمسلّحة والمجهّزة والبالغ عديدها حوالي سبعة أضعاف.

 

كان ميزان القوى لمصلحة الصهاينة الذين توالت جرائمهم الإرهابية بحقّ الفلسطينيين قتلًا وتشريدًا، فأعلنوا قيام دولتهم على ما سفكوه من دماء، وعلى الأراضي التي سرقوها بعد تطهيرها من أهلها، ثمّ عزّزوا عبر السنوات التي تلت مشروعهم الاستيطاني الإحلالي، واستفادوا في ذلك من الدّعم الغربي ومن ضعف الموقف العربي وتهالكه فتضاعف الاستيطان أضعافًا على مدى سنوات، بلغ التهويد أشدّه في القدس والأقصى اليوم في دائرة الاستهداف المتصاعد والمكثّف، ومجازر الهدم والتشريد تتكرر بوتيرة يوميّة، والأسرى في سجون الاحتلال بالآلاف، وعدّاد الشهداء لم يتوقّف. ولا شكّ في أنّ ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعطت مشاريع الاحتلال دفعة كبيرة مع تبنيّ إدارته الرّواية الإسرائيلية والعمل على إرسائها وتعزيزها، من دون أن يعني ذلك أنّ أطماع الاحتلال ومخططاته ستتوقف في عهد بايدن.

 

في عام 1977، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تخصيص يوم 29 نوفمبر، اليوم ذاته الذي اتخذ فيه قرار التقسيم، يومًا عالميًا للتّضامن مع الشعب الفلسطيني. إلّا أنّ أعوامًا من "التضامن" لم تغيّر من الواقع الذي أرساه قرار التقسيم قبل 30 عامًا ذلك أنّ التضامن لا يتجاوز في الغالب الإطار الرمزي الذي أريد له فيما الاحتلال لا يزال متسلّحًا بالدعم الغربي ذاته، ومحصنًا بالإفلات من العقاب، مستفيدًا من ضعف الموقف العربي الذي يصل اليوم دركًا من التراجع انتقل من الانكفاء عن مواجهة دولة الاحتلال والتّصدّي لها إلى التحالف معها والوقوف معها في خندق واحد. فاليوم، باتت القضية الفلسطينية محاصرة باتفاقيات التطبيع التي رعاها ترامب إمعانًا في تصفية القضيّة والحقّ الفلسطيني كجزء من صفقة القرن التصفويّة، التي لا يبدو أنّ آثارها ستندثر مع خسارة ترامب انتخابات الرّئاسة.

 

في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني تكثر الفعاليات وأنشطة التضامن مع الفلسطينيين، وكذلك التصريحات التي تعبّر عن تأييد حقّهم في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، وهي تصريحات وفعاليات مطلوبة، لكن كلّ قول يحتاج إلى أن يكون قرينه العمل، والتعبير عن التضامن والتأييد ورفض جرائم الاحتلال لا يمكن أن تثني أصحاب مخطّطات إنهاء القضيّة الفلسطينية عن السّير في مخطّطاتهم طالما يعتقدون أنّ سقف المواقف التي ستردّ على خطواتهم وسياساتهم واعتداءاتهم هي بيانات غضب، وصرخات استنكار، وتعليقات بالإدانة.

 

إنّ التّضامن مع الشعب الفلسطيني قول مقترنٌ بعمل، وموقف يترجم على الأرض، وإنّ إفشال المخططات التصفوية يتطلّب توحيد الموقف الفلسطيني والعربي والإسلامي والانطلاق من أنّ عدوّنا الوحيد في المنطقة هو هذا الكيان الغاصب، الذي يحاول أن يبدو كيانًا طبيعيًا، وأن يوجد اصطفافات يجعل نفسه طرفًا فيها لضمان ضياع فلسطين بين الاستقطاب والاصطفاف.

 

أمّا بالنسبة إلى التطبيع الذي يشكّل انقلابًا على القضية الفلسطينية، فثمّة حقيقة وحيدة ثابتة في علاقات التطبيع وما يسمى السلام بين الدول العربية والاحتلال، مفادها أنّ دولة الاحتلال لا تنظر إلى هذه العلاقات إلا من باب ما توفّره لها من غطاء لاعتداءاتها وتبييضٍ لجرائمها، وجلّ ما تريده هو تحالفات مع كيانات بلا قوّة تسبغ الشرعية على مخطّطاتها وتجعلها تبدو كيانًا طبيعيًا في وسط بيئة تدرك أنّه لا مجال لتكون جزءًا منها، وتجعلها قادرة على تصفية القضية الفلسطينية متلحّفة بعباءة عربية. 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

قراءة في المواقف العربية والإسلامية من التطورات في الأقصى

التالي

"إسرائيل".. رؤية تحليلية

مقالات متعلّقة

زياد ابحيص

حقائق جديدة في باب الرحمة لا بد من الحفاظ عليها

الثلاثاء 17 أيار 2022 - 11:16 ص

المعركة على مصلى  باب الرحمة دائرة منذ 2003 وتكاد تصل مع بداية العام المقبل إلى عامها العشرين، إذ يحاول الاحتلال قضمه وتحويله إلى مساحة مخصصة حصراً لليهود ضمن مخططه لتقسيم #المسجد_الأقصى_المبارك، وقد … تتمة »

براءة درزي

لماذا يصرّ الاحتلال على استهداف باب العامود؟

الجمعة 8 نيسان 2022 - 10:10 ص

عمد الاحتلال منذ بداية شهر رمضان إلى جملة من الإجراءات في منطقة باب العامود، في مشهد يعيد إلى الذهن الحواجز الحديدية التي وضعها العام الماضي في المكان بهدف السيطرة عليه وتقييد وجود المقدسيين فيه، وهو … تتمة »