هل يكفي "التضامن" مع الشعب الفلسطيني لاستعادة حقّه؟

تاريخ الإضافة الإثنين 29 تشرين الثاني 2021 - 7:18 م    عدد الزيارات 1012    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

في 1947/11/29، صدر عن الأمم المتحدة القرار 181 بموافقة 33 دولة من الدول الـ57 التي اجتمعت في ذلك الحين لتصادق على ما بات معروفًا بقرار التقسيم، وهو القرار الذي نصّ على تقسيم فلسطين ثلاثة أقسام بحيث يمنح اليهود 56,5% من مساحتها، تشتمل على أهمّ الأراضي فيها، فيما تخضع كلّ من القدس وبيت لحم لرقابة دولية، والباقي للفلسطينيين.

 

هلّل اليهود لقرار التقسيم الذي فتح الأفق أمامهم لتحقيق حلمهم بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، وللتوسع والسيطرة فمشوار احتلال كل فلسطين يبدأ بخطوة، وأولى خطواتهم كانت جرائم الطرد والقتل والتهجير بحقّ الفلسطينيين أهل الأرض ليحلّوا محلّهم.

 

أما العرب فهالهم القرار، ورفضوه بالإجماع، وأصدروا مذكّرات "شديدة اللهجة" تعبّر عن رفضه، وقرروا تخصيص مبلغ مليون جنيه لدعم فلسطين، وشكّلوا جيش الإنقاذ وقوامه 10 آلاف جندي لمحاربة العصابات الصهيونية المدرّبة والمسلّحة والمجهّزة والبالغ عديدها حوالي سبعة أضعاف.

 

في عام 1977، دعت الجمعية العامة، للاحتفال في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام باليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي تواكبه الأمم المتحدة بفعاليات سنوية علاوة على فعاليات تضامنية يجري تنظيمها حول العالم.

 

 

 

 

قد يبدو الإعلان عن يوم التضامن محاولة لإيجاد توازن في مقابل قرار التقسيم الذي كرّس الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وإنّ مراجعة سريعة للمشهد الفلسطيني تظهر تغوّل الاحتلال واستمراره في جرائمه بحق فلسطين أرضًا وشعبًا ومقدسيات، فيما التضامن الدولي يكاد يقتصر على تصريحات وتنديدات، تخفي وراءها في بعض الحالات سياسات داعمة للاحتلال.

 

وإذا ما أردنا اختصار المشهد في فلسطين نجد أنّ الاحتلال مستمر ويتوسّع، وأنّ مخططاته تتصاعد للسيطرة على كل ما هو بين البحر والنهر، عبر سياسة قائمة على سرقة الأراضي والبيوت وقتل أهلها أو طردهم، وتهويد القدس ومقدساتها.

 

فالمشاريع التهويدية على قدم وساق، والاحتلال يخطّط لمزيد من المشاريع الاستيطانية في الضفة والقدس من دون توقّف، ويسعى إلى استكمال تهويد القدس، وعينه على أحياء مقدسية لتهجير أهلها وهدمها، وقد قررت الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا إلزام الوزارات بنقل مكاتبها إلى القدس المحتلة، وذلك في إطار تعزيز مزاعم الاحتلال حول القدس كعاصمة لدولته.

 

وهو يفرض حصارًا خانقًا على غزة، ولا يتردد في قتل المدنيين، وفي استهداف البنية التحتية، وتدمير الطرقات والأبنية السكنية في حروبه المتكررة على القطاع.

 

أمّا المقدسات، فإنّ الاحتلال لا يراعي فيها أيّ حدّ، ومن مظاهر جرائمه في هذه السياق الاعتداء على المقابر ونبش القبور، وآخرها كان في مقبرة اليوسفية بهدف تحويلها إلى حديقة تلمودية، إضافة إلى الكتابات المسيئة إلى المسيح (ع) التي تخطّها عصابات المستوطنين على جدران الكنائس والأديرة، وصولًا إلى ما أظهره مقطع فيديو نشر مؤخرًا ويظهر فيه أحد المستوطنين وهو يبصق على باب الكنيسة الأرمنية في القدس.

 

وعلاوة على ذلك، فإنّ الاعتداء على الأقصى بند يومي على أجندة الاحتلال ومستوطنيه، من الاقتحامات وما يرافقها من صلوات تلمودية في المسجد، والمساعي الحثيثة لزيادة أعداد المقتحمين، وتشجيعهم على أداء الطقوس التوراتية في المسجد، والسعي إلى إقرار إلزامية إدراج الأقصى ضمن الزيارات المدرسة للطلاب اليهود، وغير ذلك من الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون وترعاها المستويات الرسمية في دولة الاحتلال. وقائمة العدوان والجرائم تطول.

 

فماذا تفعل دول العالم حيال هذه الاعتداءات؟ وكيف "تتضامن" مع الشعب الفلسطيني؟

 

إنّ تمادي الاحتلال في جرائمه يؤكد أنّه في مأمن من المساءلة والحساب والعقاب، فسقف المواقف رفض واعتراض، والولايات المتحدة قد تعبّر عن رفض بعض سياسات الاحتلال، لكنها في الوقت ذاته تبقى ظهيره الأوّل، والداعم الأبرز له، والمدافع عنه في الأمم المتحدة لمنع أيّ قرارات تدين جرائمه.

 

أمّا الموقف الأوروبي فليس بأفضل، ولعلّ مصداق ذلك كان واضحًا في الموقف من الاستيطان، والإصرار على رفضه ليكشف تقرير عن تعاملات ضخمة بين شركات مالية أوروبية والمستوطنات الإسرائيلية، بما يشكّل رئة اقتصادية لهذه المستوطنات تؤكّد أنّ قرار وسم منتجات المستوطنات المصدرة إلى دول الاتحاد الأوروبي هو قرار شكلي من باب "رفع العتب".

 

في ما يتعلّق بالموقف العربي والإسلامي، فإنّ حالة الضعف والتراخي التي شابته عبر عقود تضاعفت وساءت لتصل إلى تطبيع عدد من الأنظمة العربية مع دولة الاحتلال، والتسويق لذلك التطبيع على أنّه جزء من عملية إحلال "السلام" في المنطقة، مع مزاعم حول التمسك بالقضية الفلسطينية وعدم التخلّي عنها.

 

هكذا، وبعد عقود، لم يُعد "التضامن الدولي" للفلسطينيين حقوقهم، بل إنّ التضامن القائم على الشجب والتنديد ساعد دولة الاحتلال على ترسيخ احتلالها في فلسطين وتوسيعه، بل نحن اليوم أمام مشهد يؤكد فيه قادة الاحتلال صراحة أنّهم لن يقبلوا بقيام دولة فلسطينية!

 

ولعلّ هذا يؤكّد أنّ ما يحتاج إليه الفلسطينيون هو أكثر من يوم للتضامن، وأبعد من فعاليات رمزية لا يمكن أن تنهي الاحتلال، أو أن تعيد الحقوق لأصحابها، والمطلوب هو الموقف العملي وليس التصريحات التي غالبًا ما تكون متناقضة مع السياسات المطبّقة على الأرض.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

هل يجب التوقف عن نشر المحتوى الفلسطيني في الفضاء الإلكتروني؟

التالي

فلسطين بين احتلالين

مقالات متعلّقة

زياد ابحيص

حقائق جديدة في باب الرحمة لا بد من الحفاظ عليها

الثلاثاء 17 أيار 2022 - 11:16 ص

المعركة على مصلى  باب الرحمة دائرة منذ 2003 وتكاد تصل مع بداية العام المقبل إلى عامها العشرين، إذ يحاول الاحتلال قضمه وتحويله إلى مساحة مخصصة حصراً لليهود ضمن مخططه لتقسيم #المسجد_الأقصى_المبارك، وقد … تتمة »

براءة درزي

لماذا يصرّ الاحتلال على استهداف باب العامود؟

الجمعة 8 نيسان 2022 - 10:10 ص

عمد الاحتلال منذ بداية شهر رمضان إلى جملة من الإجراءات في منطقة باب العامود، في مشهد يعيد إلى الذهن الحواجز الحديدية التي وضعها العام الماضي في المكان بهدف السيطرة عليه وتقييد وجود المقدسيين فيه، وهو … تتمة »