الطريق إلى بيت المقدس


تاريخ الإضافة الخميس 28 كانون الثاني 2021 - 10:13 ص    عدد الزيارات 457    التحميلات 66    القسم آخر الإصدارت

        


الطريق إلى بيت المقدس 

الدكتور حسن الباش رحمه الله 
مقدمة:

لم يتشابه أي احتلال في العالم مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين والقدس. وقصة هذا الاحتلال أشبه بالخرافة التي تصدم العقل، أو تجعله حائرًا بين التصديق لما جرى لفلسطين وبين المنطق التاريخي الذي تعوّد عليه العلماء والباحثون والمؤرخون.

لقد عرف العالم عبر قرون طويلة أشكالًا عديدة من الاستعمار، وعرف العالم الدوافع الكامنة وراء التحركات الاستعمارية. وهي بالمحصلة أطماع ماديّة، أو استعلاءات عنصريّة، أو كيد يكيده الناس لبعضهم، أو حب للتوسع وإيجاد إمبراطوريات واسعة، تفرض فيها الثقافات أو العقائد أو اللغات أو العادات.

وتلك قصة تاريخٍ طويل مما يسمى (التدافع الحضاري) الذي تتناوب فيه الشعوب بين التمدد والانكفاء حسب بعض النظريات.

ولكننا حين نحلل طبيعة الاحتلال الصهيوني لفلسطين والقدس، نرى أن هناك أساطير دينيّة تتماهى مع الأساطير السياسيّة؛ لتشكل منظومة استعماريّة فكرية، تعمل على احتلال فلسطين مدّعية أن الأسطورة الدينيّة هي وعد إلهي، يجب أن ينفذ، وأن الأسطورة السياسيّة تنفيذ لنظرية الشعب المختار الذي يحق له ما لا يحق لغيره.

ويبدو أن دمج النص الديني مع النص السياسي وجد صداه لدى اليهود المعاصرين، ولدى بعض الأوروبيين من محافظين جدد ومن شابههم، فشنوا حربهم ضدّ العرب والمسلمين، واحتلوا فلسطين، وجعلوا القدس عاصمة يهودية، يجب أن يزول منها أي أثر عربي وإسلامي؛ لتصبح يهوديّة خالصة، "عاصمة للرب التوراتي الصهيوني" ولـ "أبناء العهد من الإسرائيليين".

هكذا يتلخص مفهوم الصراع في الطرف الصهيوني اليهودي البروتستانتي.

وإذا كان الطرف الصهيوني المحتل، يؤسس نظرية احتلاله لفلسطين والقدس على أساس دمج الرؤية التوراتيّة بالرؤية السياسيّة، فماذا بشأن الطرف المقابل؛ أي الطرف الفلسطيني العربي الإسلامي؟.

باختصار، فقد جعل الطرف العربي قضية فلسطين قضية وطنية بالدرجة الأولى، وإن حاول أن يكون لها بُعدها الإسلامي، إلا أنه لم يصل إلى الغاية المطلوبة كما فعل الطرف المعادي المحتل.

لكننا، في التأصيل لنظرية التصادم الحقيقي بين النظرية الصهيونية والرؤية الفلسطينية العربيّة الإسلاميّة، نرى أن المعادل الموضوعي الفلسطيني موجود وقوي ومدعوم بالدرجة الأولى بالحق الواقعي؛ أي الحق الذي هوجم منذ سنة 1948، وكان نتيجته تشريد أصحاب الأرض الذين يعيشون عليها.

والآن، وبعد مرور أكثر من ثماني وستين سنة على احتلال فلسطين، وبعد هذا الصراع المرير بين المحتل وأصحاب الأرض، كان لا بد من التركيز على البعد الديني في الصراع باعتباره غطاءً قويًا لدى الصهيونيّة، باعتباره الرافعة الأولى للأبعاد الوطنية والقومية والإنسانيّة للشعب الفلسطيني.

لقد استطاعت القوى الصهيونيّة أن تقنع شعوب أوروبا وأمريكا بذلك الدمج بين الرؤية التوراتية والفكرة الصهيونية، وأصبح الملايين من هؤلاء مقتنعين بأن "رب اليهود" وعدهم بامتلاك الأرض الفلسطينية، ونفذوا وعده بقوة السلاح.

وإذا عرض الفلسطيني العربي قضيته على تلك الشعوب، فإن الرد البديهي لديهم هو أن هؤلاء اليهود أصحاب حقّ في أرض فلسطين؛ لأن الله وعدهم بها منذ آلاف السنين، وظلوا محافظين عليها، حتى استطاعوا تحقيقها بإقامة دولة لهم على أرضها.

وكان من الطبيعي أن يقتنع الفلسطيني أن الثورة المسلحة لا تكفي وحدها، وأن التصادم المسلح يحتاج إلى تصادم إعلامي قوي، وإلى حجج واقعية أكثر عمقًا وأكثر إقناعًا.

إن جلّ ما يطرحه بعض الفلسطينيين هو إزالة الاحتلال من الأراضي التي احتلت سنة 1967، ونعتقد أن سياسة التنازل لدى عددٍ من قادة الشعب الفلسطيني، جعلت الطرف الصهيوني في مركزٍ أقوى؛ لأن حجته ثابتة، وإعلامه ثابت، وتحركه على مستوى العالم ظلّ على وتيرة متصاعدة، لا يأبه لا للمطالب العربية، ولا للحجج الفلسطينيّة.

ما هي نظريتنا تجاه نظريتهم؟

ما هي حججنا تجاه ادعاءاتهم؟

كيف نتعامل مع النص الديني؟

ما هي أدواتنا الصادقة والمنطقية في كشف خرافتهم؟

ما هي أدواتنا حتى نستعيد حقنا وننهي المشروع الصهيوني، وإلى الأبد.

كل ذلك يتوقف على طبيعة عملنا الشمولي، الذي يحتاج للدراسات المقنعة المعمقة، ويحتاج لوسائل إعلام، تعمل لتُسمع كل الشعوب حجتنا وأسس حقنا. وتنبش النص التوراتي، وتبين كذبه وخرافته وخديعته الكبرى، وتشرح بعدنا الإسلامي المستند إلى النص القرآني والنص النبوي والتأسيس التاريخي.

إن القدس —بما فيها المسجد الأقصى— جزءٌ من أرض فلسطين، فإذا كنا اليوم نجعل القدس مصدر الصراع، فإن فلسطين في نظرنا تعادل القدس والقدس تعادل فلسطين، فليس من حقنا أن نعزل القدس ونشطب باقي أراضي فلسطين.

القدس ليست منفصلة عن بقية أرض فلسطين التاريخيّة؛ فصراعنا الوجودي هو صراع لأجل كل أرض فلسطين، وإذا كانت القدس تشكل في منظورنا نقطة الارتكاز أو الانطلاق فإن صراعنا مع المحتل الصهيوني هو في كل مكان من أرض فلسطين.

"الطريق إلى القدس" هو رمزٌ من رموز تحركنا؛ لأن القدس والمسجد الأقصى يعنيا الأرض المباركة... أي فلسطين بما فيها من تاريخ يمتد آلاف السنين، وبما فيها من آثار تشهد على عروبة الأرض، بما فيها من ارتباط روحي بين الإنسان وبيئته الطبيعية والاجتماعية.

(الطريق إلى القدس)... الطريق إلى فلسطين كان منذ فجر التاريخ اتجاهًا لكل القوى الغازية من الغرب والشرق، ولكل الانحدارات التي شهدتها المنطقة.

فإذا كانت الغزوة الصهيونية قد استمرت ثماني وستين سنة، فإن الغزوة الرومانية دامت أكثر من ستة قرون. وأن الغزوة الإفرنجية دامت تسعين سنة. وكم تعرضت فلسطين لغزوات أخرى، كغزوة شعوب البحر، وغزوة الإسكندر المقدوني، وغزوات الفرس والتتار والإنجليز.

وأخيرًا، فإن هذه الأرض قدر لها أن تظل شاهدة على غزوات استعمارية عديدة، وأن تظلّ شاهدة على اندحار هذه الغزوات.

ليست الغزوة الصهيونيّة لفلسطين هي الأولى، فكما اندحرت الغزوات السابقة فإن القانون الطبيعي يقول "ستنتهي الغزوة الصهيونية، وتزول".

حوّل الفرنجة الأقصى إلى كنيسة، وحوّلوا المساجد في القدس إلى حظائر للخيول والخنازير، والرومان حوّلوا معابد الكنعانيين إلى معابد وثنية... ويأتي اليهود الصهاينة اليوم؛ ليحوّلوا المسجد الأقصى إلى هيكل يهودي. فلا نستغرب إن هُدم الأقصى، ولا نعجب إذا حوّلت المدينة المقدسة خالصة لليهود.

لكننا نؤمن إيمانًا قطعيًا أن الأقصى رمز للأرض المباركة فلسطين، وهذا الرمز لن يزول، ولو أزيلت الحجارة؛ فالطريق إلى القدس يعني الطريق إلى فلسطين نفسها البوصلة التي ما رقصت عقاربها، إلا باتجاه كوني واحد هو نحو القدس، نحو فلسطين من النهر إلى البحر، ومن رأس الناقورة وحتى أم الرشراش على البحر الأحمر.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



زياد ابحيص

متواصلون

السبت 30 كانون الثاني 2021 - 2:33 م

متواصلون يحاول الاحتلال توجيه تهمٍ لعدد من نشطاء فلسطين بتهمة "التواصل مع الخارج"، ليحاول عبثاً أن يكرس أن الفلسطينيين تحت احتلاله كتلة من البشر منبتة عن أي عمق أو تواصل...ورداً على ذلك انطلقت حملة #م… تتمة »

مازن الجعبري

الغائب والحاضر في أحداث الأقصى

الجمعة 15 كانون الثاني 2021 - 9:10 ص

 " إسرائيل " لن تتوقف عن تنفيذ وتحقيق أحلامها ومخططاتها في المسجد الأقصى، ولديها استراتيجية وسياسة ثابتة، ولكنها تُغيّر فقط في إجراءاتها تبعاً للمواقف السياسية الدولية والإقليمية والمحلية، ونحن نعلم أ… تتمة »